ابن قتيبة الدينوري
21
الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة
القدر سرا ولم يكن الناظر فيه كالناظر في شعاع الشمس ففيم اختصمت الملائكة وفيم ألح عزير في السؤال حتى محي من ديوان النبوة « 1 » وفيم احتج آدم وموسى « 2 » وانما صار سرا لأنك ترى قادرا وهو عاجز ومؤيدا وهو ممنوع وترى حازما محروما وعاجزا مرزوقا وشجاعا مخذولا وجبانا منصورا وعاقلا لا يستشار في الأمور ولا يستعمل وساقطا متهافتا لا يعطل وعالمين متقاربين في العلم والنظر في الدين خصمين وهما مختلفان فهذا يقول بالاهمال المحض وذاك يقول بالاجبار المحض وهذا حروري وذاك رافضي وترى أعداء الله
--> ( 1 ) يشير به إلى ما أخرجه عدة عن نوف البكالي من أن عزيرا قال فيما يناجي ربه : يا رب تخلق خلقا فتضل من تشاء وتهدي من تشاء فقيل له لتعرضن عن هذا أو لأمحون اسمك من الأنبياء اني لا أسأل عما أفعل وهم يسألون . وهذا لا يقتضي عوده ولا وقوع ما توعد به ، وفي رواية عن نوف أيضا انه سأل عن القدر فمحي اسمه من ذكر الأنبياء . وهو خبر منكر فكأنه مأخوذ من الإسرائيليات ، ونوف القاص هو ربيب كعب الأحبار ومن مصادر الإسرائيليات التي دخلت في كتب المسلمين وقد سبق من ابن عباس رضي الله عنهما إغلاظ القول في حقه حيث قال « كذب عدو الله » كما اخرج البخاري بطريق سعيد بن جبير ، ولم ينقل من أحد توثيقه فعد من المستورين وراجت اخباره ، وما في هذا الخبر يتنافى مع ما يعتقده المسلمون في الأنبياء والله يعلم حيث يجعل رسالته ولكن ابن قتيبة كثير الافتتان بالنقل عن الإسرائيليات والتعويل على كتب أهل الكتاب حتى فيما هو اطم ولا نراه يتمكن من أن يحيد عن ذلك مهما اعتدل كما هو شأن الأخباريين ، واما ما يعزى إلى ابن عباس بطريق إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عنه فخبر واه منكر يناقض ما صح عنه من التردد في نبوة عزير وعدم نبوته ومع ما في هذا السند من الانقطاع لا يخفى عليك شأن رجاله . ( 2 ) في حديث أبي هريرة « احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله عليّ قبل ان اخلق بأربعين سنة فحج آدم موسى » لأنه لام آدم على امر لم يفعله وهو خروج الناس من الجنة وانما هو فعل الله تعالى ولو أن موسى لام آدم على أكله من الشجرة الموجب لذلك لكان واضعا الملامة موضعها ولكان آدم محجوجا وليس أحد ملوما الا على ما يفعله لا على ما تولد من فعله مما فعله غيره وفي الحديث تعليم ان من أخطأ موضع السؤال كان محجوجا وليس هذا الحديث من باب إثبات القدر في شيء وإثبات القدر إنما صح من آيات وأحاديث اخر كما نص على ذلك ابن حزم في احكامه والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه بألفاظ متقاربة في المعنى .